حبوا بعض

أمنية طلعت
5/15/2019 7:21:56 PM  
 563 

»أنا أحب الملكة إياح حتب زوجة الملك سقنن رع»‬، يضحك أصدقائي بمجرد سماعهم لهذا التصريح وأنا أردده بمنتهي الجدية. يشيرون نحوي باعتباري كوميديانة من الدرجة الأولي ولا يخلو الأمر من بعض مدعابات فيما يخص اسمها وزوجها، بينما أنظر إليهم وأعيد علي مسامعهم نفس الجملة بإصرار شديد: »‬أنا أحب الملكة إياح حتب» .
وكيف لي ألا أحبها؟ وهي التي كُتب عنها علي جدران الكرنك: »‬قدموا المديح لسيدة البلاد، سيدة جزر بحر إيجة، اسمها رفيع الشأن في كل بلد أجنبي، فهي التي تضع الخطط للجماهير، زوجة الملك، لها الحياة والسعادة والصحة، فهي أخت ملك وأم ملك، الفاخرة والحاذقة التي تهتم وتضطلع بشئون مصر، فلقد جمعت جيشها وجمعت شتات الذين هاجروا، وهدأت روع الوجه القبلي وأخضعت عُصاته، الزوجة الملكية إياح حتب».
أُفضل أن ألقبها بجدتي، فهي جدتنا جميعاً وإن ضعنا بعيداً عن صفحات تاريخنا لنجلب من تاريخ الأغراب حكايات لنساء نفخر بهن، وهي أصل المرأة »‬الوتد» التي كتب عنها يوماً الأديب الراحل خيري شلبي. فمن أين يمكن للمصريات أن يرثن الصلابة سوي من إياح حتب؟ إنها الأم الأولي التي يجري في دمائنا جينات قوتها وصمودها، تلك التي فقدت زوجها في حربه ضد الهكسوس،فحشدت لجيش مصري قوي تحت قيادة ابنها الأول كاموس ولم تهن أو تحزن بعد فقده، بل أكملت الطريق وقدمت لبلادها ابنها الثاني أحمس حتي طردا الغزاة وحررا أرضنا، وهي التي خرج المصريون القدماء عن بكرة أبيهم ليهتفوا باسمها ومن أجل حياتها، مرددين وهم يحملون المصابيح في أيديهم »‬ أحوي أحوي إياح»، أي تعيش الملكة إياح .
كل عام يأتي شهر الصيام فيخرج أطفالنا إلي الشوارع وهم يحملون الفوانيس ليهتفوا باسم جدتنا إياح حتب دون أن يدروا »‬وحوي يا وحوي إيوحا»، فإياح أو إيوحا عاشت حتي وإن غابت عن ذاكرتنا الجمعية، يتردد اسمها علي الشاشات ومحطات الإذاعة ويكتبون الهتافات من أجلها علي لوحات الإعلانات في الشوارع، ويغني لها المطربون »‬ وحوي يا وحوي إيوحا»، فأنا مؤمنة تماماً بأن هذه المرأة الخالدة استحقت الهتاف فعاشت علي مدار آلاف السنين بتكرار الدعاء لها بأن تحيا، حتي ارتبطت بشهر في صلب عقيدتنا، فأصبحنا ندعو لها بأن تعيش طوال ثلاثين يوماً من رمضان، فتحيا مرة بعد مرة وحتي الأزل .
لذلك أنا أحب جدتي إياح حتب، لأنني أعلم أنها أعادت لمصر مكانتها بعد أن فقدتها لعقود طويلة علي أيدي الهكسوس، ولأنني مؤمنة أنها من نساء الله المختارات، فلو لم تكن كذلك ما دعونا لها إلي اليوم .


الكلمات المتعلقة


شكاوى الأخبار