جيل جديد من المخاطر.. حينما تدمر الحياة الحياة

5/11/2019 8:36:24 PM  
 24 

حديث الأسبوع

المخاطر المحدقة بمستقبل البشرية لا تعد ولا تحصي، فهي متعددة بتعدد الأنشطة البشرية نفسها. مخاطر تهم الحروب، كما تتعلق بالماء، والغذاء وبطبيعة الاختراعات والابتكارات، التي تتحول تدريجيا لخدمة أهداف تدمر الحياة، كما أن هناك جيلا جديدا من هذه المخاطر، التي فتحت عيون المجتمع الدولي علي مظاهر جديدة من المظاهر التي أضحي فيها الحفاظ علي الحياة نفسها رهينا بالقضاء علي ما تخلفه من تداعيات. والواضح للعيان اليوم بروز مؤشرات كثيرة تدل علي أن المجتمع الدولي استفاق أخيرا من سباته، فيما يتعلق بتعامله مع أحد أهم الإشكاليات التي أضحت تحوز مساحات شاسعة من اهتمامات الرأي العام الدولي، هذا ما يمكن استنتاجه من التزاحم الكبير في المبادرات والاقتراحات التي تضفي علي الإشكالية راهنية كبيرة وملحة، ويتعلق الأمر بقضية التنوع البيولوجي في العالم، الذي أضحي مهددا برزمة كبيرة من المخاطر تضع الحياة فوق البسيطة في مسار تشوبه المخاوف والقلق.
كثيرة هي المبادرات والخطوات التي تؤشر علي الاهتمام المتنامي في الزمن الذي نعيشه، بقضية التنوع البيولوجي بالإشكاليات المستعصية التي تفرزها التطورات، وهي المبادرات التي سيتم تتويجها بتنظيم المؤتمر العالمي للتنوع البيولوجي خلال الشهر الأخير من السنة المقبلة بالعاصمة الصينية بكين، وكان أهم هذه المبادرات التي جسدت تواتر الاهتمام العالمي بالقضية، وأكثرها وزنا الاجتماع المهم الذي عقدته مجموعة من خبراء التنوع البيولوجي، وفي النظام البيئي العالمي طيلة أسبوع كامل من نهاية الشهر الماضي بباريس غاصوا من خلاله في أعماق الإشكاليات، التي تهم هذه القضية. ولهذا الاجتماع علاقة بالمجموعة الدولية التي كانت الأمم المتحدة قد قررت إنشاءها خلال سنة 2002، وهي اليوم تضم 132 دولة، وهي الخطوة التي أعلنت عبرها الأمم المتحدة رسميا انشغالها بهذه القضية.
التقرير الذي عرض علي الخبراء المجتمعين في باريس اعتبر أحد أهم الوثائق المرجعية العالمية، التي عالجت هذه القضية من مختلف جوانبها، واقترحت حلولا وبدائل ضمنها وصفة علاجية تكتسي طابع الاستعجالية، وتكفي الإشارة في هذا الصدد إلي أن التقرير يتألف من 1700 صفحة، تكلف بإنجازه 150 باحثا وعالما متخصصا ينتمون إلي خمسين دولة، وساهم فيه 250 من الأشخاص المتخصصين في العلوم الطبيعية والاقتصاد والعلوم الاجتماعية، واعتبر بإجماع المهتمين والملاحظين أول وثيقة عالمية تختص أساسا في التقييم العلمي لحالة التنوع البيولوجي وفي النظام البيئي العالمي. جهد علمي عالمي استثنائي عرض مؤشرات وحقائق تكتسي خطورة بالغة، وتهدد مستقبل الحياة فوق كوكب الأرض بصفة عامة، والتي شكلت تحذيرا مباشرا وتنبيها قويا يدعو فعلا إلي القلق. وليس أقل هذه الحقائق خطورة، استعراضه لمظاهر الدمار الحقيقي الذي يلاحق الحياة، من انقراض لكائنات حيوانية وطيور وتدهور لجودة التربة ونقص متزايد في الماء، وانخفاض في جودة الهواء، ومن ذلك مثلا، فإن التقرير الجديد يؤكد أن مخزون التنوع البيولوجي في العالم من الثدييات والزواحف والعصافير والأسماك تراجع بالثلث خلال ربع قرن من الزمن، وأن المساحات التي تغطي البسيطة بالغابات تراجعت خلال نفس المدة بـ 12 مليون كيلومتر، بنسبة تراجع تعادل 20 بالمائة من مساحات الغابة في العالم. وأن ما بين 70 إلي 90 بالمائة من الشعاب المرجانية مهددة بالاندثار من المحيطات والبحار في أفق نهاية القرن الحالي بسبب الارتفاع المهول في درجة حرارة الكرة الأرضية، والتي تتجاوز حاليا 1،5 بالمائة سنويا، في حين يقع التأكيد علي الخطورة البالغة التي تكتسيها الوتيرة السريعة ويسير عليها انقراض بعض الكائنات الوحشية، وهي وتيرة ليست مسبوقة في تاريخ البشرية جمعاء.
أسباب هذا الخطر الذي يدمر الحياة فوق الأرض كثيرة ومتعددة ويجملها التقرير في تدمير الحياة البرية والبحرية، واستنزاف المصادر الطبيعية، وتنامي مظاهر التلوث بجميع أشكاله، والانتشار المتواصل والسريع للغازات، والتغير المناخي. وإجمالا فإن التقرير يحمل الإنسان مسئولية تدهور مؤشرات التنوع البيولوجي، بسبب طبيعة الأنشطة البشرية التي يمارسها والتي تواصل إفراز تداعيات سلبية كثيرة علي مستقبل حياة ومصير نفس الإنسان، ولعل هذا ما يفسر دعوة الباحثين الذين أنجزوا التقرير المجتمع الدولي إلي ضرورة الاتفاق علي وثيقة دولية إلزامية، تتغيا الحفاظ علي التنوع العالمي ويقترحون الاهتداء باتفاقية كاب 20 التي وقعت بالعاصمة الفرنسية باريس، قبل سنوات قليلة ماضية، وقد تكون قمة بكين فرصة سانحة لتحقيق هذا الهدف المرتبط بقضية تهم مستقبل الحياة للكائن الحي الناطق والصامت والجامد علي حد سواء.
مهم أن نذكر بما أشارت إليه بعض الدراسات والتقارير في شأن هذه القضية الساخنة من قبيل الحزم، بأنه يستحيل الحفاظ علي التنوع البيولوجي دون تغيير في طبيعة النماذج الاقتصادية السائدة في مختلف أصقاع المعمور، نماذج اقتصادية تعتمد علي الزراعة والصناعة والاختراع والابتكار، لضمان تلبية حاجيات الفرد والجماعات من الاستهلاك والخدمات والترفيه وغيرها، لكنها نماذج اقتصادية عجزت لحد الآن عن ضمان التوازن الحقيقي والملائم بين الحفاظ علي معدلات مناسبة لمخزون التنوع البيولوجي، تربة ومياها وكائنات ونباتات وحاجيات الفرد والجماعات الاستهلاكية من هذا المخزون، حيث اعتمدت هذه النماذج الاقتصادية السائدة علي استنزاف الثروة البيولوجية المتنوعة لضمان أعلي معدلات الدخل المالي، وهي نماذج اقتصادية في حاجة ملحة للتعديل والتغيير بما يضمن – علي الأقل – تخفيضا كبيرا في منسوب الاستنزاف لكي لا نقول القضاء عليه نهائيا.
لذلك يبدو تنامي انشغال المجتمع الدولي بظاهرة التهديدات المحدقة بالتنوع البيولوجي في العالم مبررة، ولها أكثر من تفسير، وهي قد تتجاوز في خطورتها حتي الحروب المشتعلة هنا وهناك، أو التي قد تندلع في موقع ما من العالم، لأن الخطورة هذه المرة لا تقتصر علي تدمير العمران وإبادة الأفراد والجماعات، بل إنها تتعلق فعلا بتدمير الحياة برمتها، ولا يعقل أن يحترق بيتنا أمام أعيننا ونكتفي في المقابل بالتعبير عن القلق، ولا يمكن أن تكون الحياة مهددة تحتضر أمامنا ولا نسعفها بجرعة أوكسجين. وفي هذا الحديث دعوة ملحة للرفع من منسوب الاهتمام بهذه القضية المؤرقة.


الكلمات المتعلقة


شكاوى الأخبار