ثقافه التبرعات!

د. أمل قصري
5/9/2019 7:45:46 PM  
 112 

إعادة نظر

عندما أحترقت نوتردام، الكنيسة العريقة، حزن الكثيرون لمكانتها التاريخية والفنية، ثم تم الإعلان عن التبرعات السخية لإعادة بنائها. بعدها ظهرت في صحف عديدة مقالات تُحلِل هذا التبرع وتحاول معرفة لماذا لا يتم بالمثل التبرع لمن يموتون جوعاً بسبب الفقر أو الحروب، في نفس الوقت صاحب تلك التحليلات نوع من التبرير المصحوب بنقد لمن تبرعوا لأن تبرعهم سيصاحبه خصم كبير في قيمة ما يدفعونه من ضرائب، وبالتالي فالأمر مجرد استغلال للموقف. لفت نظري ما تمثله ثقافة التبرعات في حد ذاتها في مجتمعاتنا بالمقارنة بمجتمعات غربية. فالمفارقة هناك كانت بين التبرع لمبني وعدم التبرع للفقراء، أما عندنا فلا توجد مثل تلك المفارقة، لأنه (علي الأقل في العلن) لا توجد مثل تلك التبرعات السخية الموجهة، وإن وُجِدَت، فهي تحت إشراف حكومي أو بُناء علي دعوة رسمية. ورغم أن تحليل الأسباب ليس هدف هذا المقال لكن محاولة فهم الأسباب قد تقودنا لفهم تلك المفارقات.
فقد يُصاب الإنسان المقدِر للفن بالحزن الشديد في حالة مثل تلك الحوادث ويسارع للتبرع، ربما بسبب إحساس غريزي بالرغبة في البقاء الذي تمثله آثار أو مبانٍ قديمة بشكل أكبر ما يمثله البشر لأنه أدرك، غريزياً أيضًا، أنهم إلي زوال. لكن علي الجانب الآخر، يُعد التبرع في الغرب بشكل عام شيئا منتشرا ومؤثرا، من أمثلته التبرع للجامعات. في عام 2016 مثلاً حصلت جامعة ستانفورد علي حوالي مليار دولار من أكثر من 80 ألف متبرع وتعلن الجامعة بوضوح ان تلك التبرعات هي أحد العوامل المهمة لبقاء الجامعة في الصدارة.
ربما نفهم الفرق إذا افترضنا جدلاً أن أحد معابد الأقصر أُصيب بضرر شديد، هل كان سيسارع أغنياء مصر للتبرع بسخاء لإصلاحه؟ بسبب عدم وجود شواهد سابقة فالإجابة في الغالب لا، إذاً فتبرير غريزة الرغبة في البقاء غير صحيح، والأمر ما هو إلا اختلافات اجتماعية واقتصادية فقط. فعند التبرع للمدارس والجامعات مثلاً، يكون هذا ممن تخرجوا منها ولديهم من الإحساس بالعرفان ما يجعلهم متحمسين لمثل هذا العطاء لعلمِهم ما سيعود علي أولادهم، هذا هو الجانب الاجتماعي الذي يقوي عندما يتخلص المواطنون من الأنانية ويدركون أن مساعداتهم لا تذهب هباءً، وبالمثل عندما نتحدث عن آثار أو مبانٍ قديمة. أما الجانب الاقتصادي فلا شك أن موضوع الخصم من الضرائب حسب قيمة التبرع له دورٌ كبير، فالمال هو اللاعب الأول دائماً.
يختفي العاملان في مجتمعنا، فلا توجد قوانين تربط الضرائب بالتبرع ولا توجد قيم اجتماعية تشجع عليه كما لا توجد جهات مستقلة تعلن بشفافية مصير تلك التبرعات وبالتالي فلا يمكن اللوم علي الأغنياء اذا لم يتبرعوا، يجب أن تعيد الدولة النظر في إيجاد قنوات للتبرع من خلال جهات أهلية مستقلة علي أن تضمن الشفافية التامة وأن تمنح المتبرعين مزايا، عينية أو مادية.
• استاذ بالجامعة البريطانية


الكلمات المتعلقة


شكاوى الأخبار