الليل والبرد والعشاق

1/12/2019 7:32:59 PM  
 81 

إنها مصر

جودي علينا يا سماء، قد جاءنا فصل الشتاء
يبدو أنني هرجع في كلامي، وأتوقف عن حب الشتاء، لأنه زودها حبتين وقارص علينا، زي الفتاة المدللة، غدار وملوش أمان، ويشن غارات مفاجئة من الصقيع، حيرت رجال الأرصاد الجوية.
الشوارع أدفي من البيوت، ولم تعد الشقق أماكن آمنة ضد البرد، وأعلنت البطاطين والالحفة عجزها عن حماية البردانين، وأصبح اللجوء للسراير مخاطرة غير محسوبة، الواح تلج.
عشاق الشتاء مثلي مكسوفين، ومش قادرين يدافعوا عن جمال ليل الشتاء، وعزاؤهم الوحيد أن شوارع القاهرة ومقاهيها أعلنت التحدي، كاملة العدد، وهي دي مصر، لا يهزمها شتاء، ولا يقهرها صقيع.
>>>
لا وسيلة للتدفئة سوي أن أحبك
الشعراء والمبدعون مختلفون وحائرون، بعضهم تربطهم بالشتاء قصص حب غامضة، غير مفهوم سرها، فكان البرد والصقيع مصدر الهامهم، فأبدعوا في رسائل الشوق والحنين.
نزار قباني: »اذا أتي الشتاء، وحركت رياحه ستاتري.. اني يا حبيبتي بحاجه إلي البكاء، علي ذراعيك، علي دفاتري»‬ ووصل نزار قمة الوعي بقصيدة »‬ لا وسيلة للتدفئة سوي أن أحبك.. لا يقلقني الثلج، ولا يزعجني حصار الصقيع، فأنا أقاومه حيناً بالشعر وحيناً بالحب، فليس عندي وسيلة آخري للتدفئة سوي أن أحبك».
فاروق جويدة: »‬ الوقت ليل والشتاء بلا قمر، نشتاق في سأم الشتاء شعاع دفء حولنا.. نشتاق قنديلاً يسامر ليلنا.. نشتاق من يحكي لنا ولا يمل حديثنا،،
>>>
أعداء الشتاء.. أنه عذاب وبلاء
في كتاب »‬اللفائف والظرائف» لابي منصور الثعلبي حديث عن محاسن الشتاء: »‬طول الليل الذي جعله الله سكناً ولباساً، وبرد الماء الذي هو مادة الحياة، وانقطاع الذباب والبعوض» ولكن الأعداء كثر..
محمد الماغوط: »‬ غداً يتساقط الشتاء في قلبي، وتقفز من المتنزهات الأسماك والضفائر الذهبية، اجهش ببكاء حزيناً علي وسادتي.. جودي علينا يا سماء، قد جاءنا فصل الشتاء.
»‬أحذروا البرد فقد قتل أخاكم أبا الدرداء».
وأبا الدرداء صحابي وقاضي دمشق وفقيه، مات سنه 32 ه، وأشهر ضحايا البرد الكاذب، وفي كتب السيرة عشرات الخطابات عن وفاته، وليس بينها البرد. وقال الثعلبي: »‬الشتاء عذاب وبلاء، يعمش العينين ويسيل الأنوف ويقشف الأبدان».
وقال الجاحظ: »‬الشتاء عند الناس هو الكلب الكَلِب، والعدو الحاضر نتأهب له كما يتأهب الجيش».
>>>
أهل الهوي يا ليل فاتوا مضاجعهم
إذا أجتمع بيرم التونسي وذكريا أحمد وأم كلثوم ومقام نهاوند، ومعهم الشتاء.. وصل الأبداع منتهاه، والعشق قمته والهيام روعته.
»‬أهل الهوي ياليل فاتوا مضاجعهم، واتجمعوا ياليل صحبه وأنا معهم، يطولوك ياليل ويقصروك ياليل، يطولوك ياليل من اللي فيهم، وأنت ياليل بس اللي عالم بيهم».
مقاهي القاهرة لم تكن منتجعات للشيشة، ولكن منتديات للشتاء والبرد، يجتمع فيها أهل الفن والأدب والثقافة، ويبدو - والله أعلم - أن »‬أهل الهوي» كانوا يركلون البطاطين، ويخرجون في شتاء القاهرة الساحر وليلها البديع، إلي مقاهي شارع عماد الدين، قبل أن تتحول، إلي محلات لبيع قطع غيار السيارات.
>>>
البرد في مصر هزار
رغم قسوته وغدره وقسوته، تظل مصر واحة الشمس المشرقة، والشتاء فيها شهران علي الأكثر، ومن شاف شتاء غيره هان عليه شتاءنا.
في أوربا يكون هجوم موجات الصقيع كالتتار، يحاصر المباني فلا يستطيع سكانها الخروج صباحاً إلا بكسح الجليد، وتمشي السيارات علي الطرق بطريقة التزلج علي الجليد، ولا تستطيع الفرامل مهما كانت قوتها أن توقف العجلات المتطايرة.
نحب الشتاء أم نكرهه
كلها أيام كتبت علينا، نتحايل عليها لتستمر الحياة.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار