الوحـدة مسألـة قرار سياسي

1/12/2019 7:09:38 PM  
 48 

حديث الأسبوع

سيظل يوم الفاتح من يناير 1999 حدثا تاريخيا بارزا في تاريخ الدول الأوروبية، وفي مسار الاقتصاد العالمي برمته، ففي ذلك اليوم أقدم قادة إحدي عشرة دولة أوروبية علي اتخاذ قرار اقتصادي وسياسي متميز حفل بالدلالات والخلفيات تمثل في اعتماد العملة الأوروبية الموحدة »الأورو»‬ بعد جهود تمثلت في أبحاث معمقة ودراسات متخصصة، توجت بإعلان مولود جديد في الاقتصاد العالمي، وأكد لمن في حاجة إلي تأكيد أن إرادة الوحدة قادرة علي هزيمة عوامل الإحباط والفشل، المتجسدة في التفرقة والتشتت، إذ رغم تعدد اللغات والأعراق والديانات والحضارات ـ فإن الدول الأوروبية بحثت عن المشترك بينها، ودفعت بالخلافات والنزاعات إلي الخلف واختارت المشترك للاشتغال عليه. ولم يكن من السهل تنزيل هذا القرار التاريخي بالسهولة التي توقعها الكثيرون، من الذين اعتقدوا أن الطريق كانت سالكة أمام هذا المولود، بل إنه ووجه بتحديات كثيرة وإكراهات صعبة فرضت أكثر من ثلاث سنوات من الانتظار، قبل الإعلان الرسمي عن بداية العمل بالعملة الموحدة سنة 2002.
الآن بعد مرور عشرين سنة كاملة عن بداية العمل بالعملة الأوروبية الموحدة، طرحت أوساط أوروبية كثيرة مسألة تقييم موضوعي لهذه التجربة التي نقلت الاقتصاديات الأوروبية من وضع إلي آخر.
المدافعون عن هذه التجربة يؤكدون الْيَوْمَ بمناسبة هذا التقييم أن العملة الأوروبية الموحدة ساهمت إلي حد بعيد في حماية الاقتصاديات الأوروبية من خطر التضخم، كما أنها حمت هذه الاقتصاديات من تداعيات صرف العملات الوطنية، والتي كانت متباينة بشكل كبير فيما بينها، وكرست الثقة في العملة، كما أنها مثلت قوة رادعة للمخاطر التي كانت محدقة بأسعار المواد الاستهلاكية والخدمات، مما ساهم في حماية القدرة الشرائية. وفوق هذا وذاك، فإن هذا القرار مكن الدول الأوروبية الْيَوْمَ من أن تتوفر علي ثاني أقوي عملة في العالم بعد عملة الدولار الأمريكي، وما كان ليكون الحال كذلك، مع وجود عملات وطنية أوروبية كثيرة، كانت ستواجه عملات قطرية قوية ناشئة في بعض أقطار العالم، وأن اعتماد العملة الموحدة سمح -حسب خبراء أوروبيين متخصصين- بتطور الناتج الداخلي الخام بالنسبة للفرد الواحد في القارة الأوروبية بصفة أسرع، مما تحقق في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن وجهات نظر أخري معارضة تدفع بوجود كثير من السلبيات في إنجاز هذا التقييم، من ذلك أن العملة الأوروبية الموحدة لم تنجح في القضاء علي التفاوتات الكبيرة بين الاقتصاديات في الدول الأوروبية، حيث لا تزال الهوة تفصل بينها بشكل مثير للاستغراب، ولا يزال انعدام التوازن بينها يتسبب في تسجيل تناقضات كثيرة فيما يتعلق بالتنمية، وهذا كاف للتأكيد علي وجود تفاوتات كثيرة وكبيرة في مستويات العيش، بالنسبة للأفراد والجماعات في مجموع الدول الأوروبية بين دول ينعم مواطنوها بمستوي عيش مرتفع ولائق، وبين دول يواجه مواطنوها عجزا كبيرا في العديد من حاجيات الحياة، كما أن هذا القرار لم يمنع الكثير من الدول الأوروبية، من اعتماد سياسات اقتصادية ومالية قطرية تتعارض كليا مع وجود العملة الموحدة، ويري أصحاب هذا الرأي أن العملة الموحدة لم تق كثيرا من الدول الأوروبية، من تداعيات الأزمة المالية العالمية التي هزت عروشا اقتصادية كثيرة ومتعددة سنة 2008، ودفعت بالعديد من الدول الأوروبية، من قبيل اليونان وإسبانيا والبرتغال إلي الأسفل بعدما واجهت ظروفا اقتصادية قاسية جدا انعكست سلبيا علي حياة المواطنين سواء فيما يتعلق بجودة الخدمات الاجتماعية التي اتجهت نحو التردي بسبب النقص الكبير في الميزانيات العمومية،أو بالاستثمارات العمومية في القطاعات الاجتماعية أو بالقدرة الشرائية التي تضررت كثيرا بسبب الارتفاع المهول في أسعار العديد من المواد والخدمات، بيد أن الأجور في القطاع العام عرفت جمودا وركودا، في حين عرفت تراجعات متباينة في القطاع الخاص.
يهمنا نحن في هذا، تقييم حدث سيظل محفورا في ذاكرة التاريخ الحديث، الجانب السياسي منه، إذ إن دولا أوروبية تفرقها عوامل كثيرة تهم العرق واللغة والديانة، وخاضت حروبا طاحنة فيما بينها، كلفتها خسائر مادية وبشرية فادحة، نجحت في تجاوز كل هذه العوامل المحبطة، وغالبت جراحها المندملة الكثيرة واختارت الوحدة الاقتصادية، ونجحت في توفير جميع شروط هذه الوحدة، من اتحاد قوي وعملة مالية موحدة وبنك أوروبي مركزي وقواعد تهم العلاقات الاقتصادية وغير ذلك كثير، بينما هناك قريبا جدا من القارة الأوروبية، توجد منطقة تتوفر علي جميع مقومات الوحدة من لغة ودين وعرق وحضارة، ولكن دول هذه المنطقة آثرت البحث عن عوامل التجزيء والتشتيت وتخوض في سبيل ذلك حروبا وتشعل فتنا تزيد وتيرة العودة إلي الخلف سرعة.
• نقيب الصحفيين المغاربة


الكلمات المتعلقة


شكاوى الأخبار